حول ظاهرة الانتهازية
جريدة " المسار" – غشت 1985
منابعها و أشكالها الأساسية
لنعرف في البداية بالانتهازية كظاهرة، بشكل موجز و مبسط : إنها اتخاذ الفرد( أو المجموعة) مواقف سياسية أو فكرية لا يؤمن بها، في سبيل تحقيق أو حماية مصالح ذاتية انية. و تبعا لذلك، يغير هذا الفرد ( أو المجموعة) مواقفه السياسية و اختياراته حسب تغير الظرف، من أجل أن ينسجم مع الظرف الجديد أملا في الحصول على مصلحة موجودة.
و الانتهازيون يعادون و يناقضون الصراحة، و هذا ما يميز ممارستهم عن ممارسة الطبقات الرجعية الواضحة، المعادية للتغيير و التقدم. إذ أن لهذه الطبقات التي تدافع عن القديم أو عن الواقع الراهن عادة، مذهب سياسي، و عقيدة مستمدة من شكل المجتمع الذي تقوده و تريد له البقاء. أما الانتهازية فليس لها أي مذهب أو عقيدة أو نظرية محددة، فهي تقول اليوم ما تنقضه غدا. و تقول غدا ما تتخلى عنه بعد غد...إنها تكتفي بالمواقف السياسية اليومية النفعية، و إن تبنت شكليا عقيدة ما، فإنما لخدمة هذا الموقف السياسي أو ذاك، و هي قادرة على التخلي عن كل المذاهب دفعة واحدة إذا ما اقتضت مصلحتها الظرفية ذلك.
و الانتهازية تنبع من طبقة اجتماعية محدد، أو مهنة معينة ، أو قطاع محدد من المجتمع. بل إنها تظهر في صفوف كل الطبقات و جميع المهن و تخرج من جميع المذاهب و الأحزاب السياسية : يجمع في ما بين أفرادها السعي لتحقيق المصالح الذاتية بواسطة التلون السياسي و الفكري.
و يمكن للأفراد الذين تتجلى فيهم هذه الصفة الشخصية أن يتجمعوا في شكل هيئة أو حزب أو تكتل، و لكن ذلك لا يجعل منهم طبقة أو ممثلين لطبقة معينة، بل مجرد تجمع مؤقت تقتضيه الظروف.
فكما أن مواقف الفرد الانتهازي من الأوضاع السياسية والقانعات الفكرية شيء مؤقت و متلون، و قابل للتغيير، كذلك تجمع الأفراد الانتهازيين في هيئة أو حزب أو تكتل شيء مؤقت، يزول بزوال الظروف التي اقتضته، أو يرجع ثانية بنفس الشكل أو بشكل آخر إذا ما استجدت الظروف,,,و هكذا, و بما أن الانتهازي كفرد، يغير موقفه السياسي و الفكري حسب تغيير مصلحته، فإنه مؤهل لتغيير موقفه من الانتهازيين الآخرين حسب تغير تلك المصلحة أيضا. و هذا هو القانون الذي يحكم علاقات الانتهازيين ببعضهم و يعطي لتكتلاتهم و تحالفاتهم صفة عدم الثبوت و التلون المستمر.
منابع الانتهازية و أشكالها
و لكن ما هي المصادر التي تنبع منها هذه الظاهرة، أو من أين يأتي الانتهازيون في المجتمع ؟
قلنا سابقا، أن الانتهازي يمكن أن يخرج من مختلف الطبقات ة المهن، و لكن بالرغم من ذلك ، هناك منابع رئيسية للانتهازيين، و أوساط تنبثق خصائص الانتهازية أكثر من غيرها، بحكم تأثير عوامل سنأتي على ذكرها. و يمكننا حصر المنابع الرئيسية للانتهازية بشكل إجمالي كما ياي :
أولا : مما لا شك فيه أن الطبقة الوسطى تشكل المنبع الرئيسي للانتهازية، و إذا كان ما يميز هذه الطبقة في "البلدان المتخلفة" كون حدودها غير واضحة و متحركة بحكم عدم استقرار أوضاع البورجوازية المحلية، فإن ما يميزها أيضا هو أنها تشمل فئة هامة من الأفراد الذين يعيشون بطرق غير مشروعة ( قياسا بالقانون السائد نفسه) تقوم على الاحتيال واقتناص الفرص التجارية و الصفقات المشبوهة، و السمسرة و الوساطة و غيرها من الوسائل. و هذه الفئة تعمل في ميادين التجارة و المقاولات والتهريب و المضاربة بالأراضي، و تحاول دائما الالتصاق بالطبقة السائدة، و أن تكون لها معها علاقات نفعية بشتى الوسائل كالترغيب و الرشوة. إلا أن هذه الفئة ليست ببورجوازية بالمعنى الصرف للكلمة، بل أنها تعيش على حافة هذه الأخيرة، و تخلط نشاطها الاقتصادي بالأساليب لا مشروعة السالفة الذكر.
و قد تدخل عناصر هذه الفئة الحياة السياسية، و تشارك في التأييد أو المعارضة، لتحقيق مصالحها الخاصة أو لحمايتها، و تؤيد هذا الحزب أو هذا السياسي المحترف، أو ذاك الزعيم... و تغير مواقفها إذا ما تغير ميزان القوى السياسي في البلاد. و قد لا تكتفي بذلك، بل تذهب إلى منح تأييدها للأفكار و المذاهب، رغم أن ذلك يكون غالبا بدون فهم.
إن هذه الفئة من الطبقة الوسطى تشكل مصدرا مهما لظهور الانتهازيين بشكلهم البدائي، ذلك أنها عادة ما تتسم بقلة الثقافة و بدائية الأساليب ... إن همها الأساسي هو تحقيق المصالح المادية و النفوذ العائلي أو الجوي، و الوصول إلى ذلك بالطرق غير المشروعة، الشيء الذي يحتاج إلى حماية "السياسيين"... و بالتالي، فإن أهدافها السياسية غالبا ما تكون محدودة أو منعدمة ما دام الانتماء أو النشاط السياسي ليس هدفا في حد ذاته بالنسبة إليها أو وسيلة أساسية، بل إنه مجرد حماية...
ثانيا : و تشكل أوساط البورجوازية الصغرى و خاصة فئة المثقفين أو أشباه المثقفين مصدرا هاما لبروز مادة الانتهازية خاصة في البلدان المتخلفة، دلك أن سلاح الثقافة في مجتمع يغلب عليه الجهل و الأمية يساعد أشباه المثقفين ذوى الاستعدادات الانتهازية على استغلال النفوذ الذي يجلبه لهم موقعهم داخل المجتمع، لتحقيق مصالح آنية شخصية على حساب الشعب الذي تربوا و ترعرعوا في أحضانه. و للتوضيح فليست هي العامل الذي يولد الانتهازية، بل و كما أسلفنا اتخاذ الانتهازي مواقف لا يؤمن بها لخدمة أهدافه الذاتية. و تتواجد هذه الفئة في قطاعات عدة، سواء داخل جهاز الدولة، كموظفين متملقين ساعين وراء الترقيات الرواتب و المنافع المادية، أو خارجه، كمهن حرة، أو كمستخدمين و أطور في قطاع الرأسمال الخاص.
و الفئة الانتهازية الشبه مثقفة مؤهلة- بحكم ثقافتها- لأن تنشط و تتحرك في الميدان السياسي... فهي تستطيع أن تلم بمختلف المذاهب و الاتجاهات السياسية، فتتبنى هذا المذهب أو ذاك الاتجاه، و تتخلى عنه لصالح مذهب و اتجاه آخر، حسب ما يخدم مصلحتها الشخصية وفق مقتضيات الظرف الآني. و هذه المصلحة لا تكون بالضرورة مصلحة اقتصادية أو مادية بحدة، بل قد تكون معنوية أيضا، كاكتساب النفوذ و الشهرة مثلا...
و من مميزات هذه الفئة من الانتهازيين : إن أساليبها متطورة و دقيقة، و وسائلها حديثة، و ليست فجة بدائية كما هو الحال عند الفئة السابقة.
وتشكل التنظيمات النقابية و الثقافية و الأحزاب السياسية مرتعا رحبا لبروز الانتهازية ترعرعها... و أن العنصر الأساسي الكامن وراء هذه الظاهرة يتجسد في ضعف القناعة أو انعدامها عن بعض الأفراد المنخرطين في هذه التنظيمات، فبقدر ما تكون قناعة الفرد المنتمي قناعة راسخة، مبنية على انتماء طبقي لا رجعة فيه، و اعتناق للمذهب عن فهم و إدراك و قناعة، بقدر ما يكون التزامه ثابتا و تغيب لديه عوامل و دوافع الانتهازية، و على العكس من ذلك، فإن ضعف القناعة أو غيابها، و الانتماء الاعتباطي المبني المعرفة السطحية و حتى الثورية، هذا مع العلم أن الأحزاب و التنظيمات التقدمية هي في النهاية جزء من المجتمع الذي تريد تغييره، و بالتالي فلا يمكنها أن تستقطب منه بشكل إيجابي فقط، بل من الطبيعي أن تدخلها نسبة معينة من القيم القديمة و العناصر الفاسدة، و ذلك مهما بلغت مقاييس الانتماء صرامة و شدة...
وغالبا ما تكون الانتهازية كامنة في مثل هؤلاء الأفراد، و لا تظهر بالضرورة على السطح بشكل مستمر و في جميع الحالات، بل أنها تبقى في حالة سكون لفترة زمنية و ضمن ظروف معينة، حتى إذا وضع ذلك الفرد في ظروف جديدة مساعدة، برزت انتهازيته بشكل جلي و عبرت عن نفسها بشكل عملي واضح.
و يشكل الانتقال الفجائي في حالة الفرد من جهة، أو اشتداد صراع سياسي ما وصوله إلى مرحلة الحسم من جهة ثانية، عنصرين أساسيين في تشكيل الظروف المساعدة المذكورة. فالفرد الضعيف القناعة عندما تتغير أحواله بشكل فجائي- ماديا أو معنويا- سواء في اتجاه التحسن الفجائي أو التقهقر، غالبا ما يفقد توازنه، و تضعف سيطرته على غرائزه، فتظهر بصورة فجة صارخة و تدفعه أحيانا لتصرفات شاذة... و تزداد هذه الظاهرة و تنمو بشكل خاص، عندما تنتقل حركة ما من حالة المعارضة و التعرض للاضطهاد إلى حالة النصر استلام الحكم. فتصبح معرضة الانبثاق الميول الانتهازي الكامن في بعض الأفراد الذين ناضلوا في صفوفها, و بديهي أنه ليس عامل النصر هو الذي يخلق ذلك، بل و كما أسلفنا، ضعف القناعة أو عدم توازن الشخصية، هي الأسباب الرئيسية الكامنة، التي تبرز إلى السطح بمناسبة الانتقال الفجائي إلى مواقع الحكم و النصر... و إن الأمثلة عن الأفراد المنحدرين من أوساط الطبقات الفقيرة الذي ناضلوا في صفوف الحركة الثورية غاية في صفوف الانتهازية بمجرد استلام السلطة، عديدة و متنوعة, و هذه الظاهرة التي تتم عن طريق العمل السياسي تشابه تماما تلك التي تحدث بمناسبة التحسن المفاجيء للأوضاع المدية للشخص الانتهازي، و ذلك ما يصطلح عليه عامة بظاهرة "الوصولية" أي الانطلاق من أسفل الدرجات و الطموح إلى الوصول إلى مركز معين (تجاري أو اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي) لتحقيق المصالح الشخصية الذاتية.
إن طبعة هذه المنابع الأساسية لظاهرة الانتهازية عموما، هي التي تتحكم بشكل كبير في أشكال الانتهازية التي تعبر عن نفسها داخل مجتمع معين. وللتبسيط فقط، يمكن أن نصنف هذه الأشكال إلى صنفين أساسيين :
- الانتهازية البدائية ذات الأهداف الاقتصادية الضيقة المباشرة و القصيرة المدى و الأساليب البدائية الاعتباطية.
- الانتهازية المتطورة ذات الأهداف الاقتصادية/السياسية والمطامح الواسعة و البعيدة المدى، و ذات الأساليب المتطورة الحديثة... فهي التي تسخر الثقافة لخدمة أغراضها و تستعمل القدرات الشخصية في الخداع و المناورة لأجل الإقناع، وتلجأ إلى التكتل السياسي و التنظيم و الدعاية و"التنظير"،واستعمال الأساليب المخفية وغير المباشرة... فهي عادة تحاول كسب سمعة وطنية للتستر من ورائها, و إذا ما أقبلت على تحالف مع الاستعمار الجديد و الرجعية، اختارت لذلك أسلوبا لبقا و مخفيا واختارت التعامل غير المباشر، إلا إذا كانت مرغمة و مضطرة للكشف عن أوراقها أمام خطر يهدد و جودها نفسه. و هذا النوع من الانتهازية غالبا ما يفصل العمل في الحقل السياسي كحقل أساسي يذهب فيه طموحها إلى حد العمل على الوصول إلى الحكم بأي ثمن و بأي طريقة.
"
الانتهازية في مرحلة "المخاض الثوري
لا شك أن ظروف المخاض الثوري و الانتقال الثوري هي أحسن ظروف مناسبة لبروز و نمو الانتهازية. ففي مثل هذا الوضع تكون القيم القديمة قد بدأت تفقد سيطرتها، في حين أن القيم و الأخلاق الجديدة لم تترسخ بعد، و هذا ما يفسح المجال واسعا أمام الانتهازية لتزدهر و تترعرع : فهي تستغل الفرصة للخلط بين القيم القديمة المحافظة و الرجعية و التراث و القيم و الأخلاق الشعبية في آن واحد، للتخلص من الالتزامات و المبادىء و المثل الاجتماعية التي يشترك فيها تراث البشرية جمعاء. بدعوى التخلص من القيم القديمة... و الذي يساعد الانتهازية على ذلك، هو أن المجتمع في مرحلة كهذه، لم تتكون لديه بعد فكرة واضحة و مقياس سليم للتفريق بين القيم المتخلفة الواجبة الزوال، و التراث الإيجابي الذي يجب المحافظة عليه
و تتسم مرحلة الانتقال الثوري بتغيرات أساسية في مواقع الطبقات، و في موازين القوى بينها، فيساعد ذلك أيضا على تحريك الانتهازية و إبراز الكامن منها، فالطبقات الرجعية المسيطرة آخذة في الاضمحلال و مهددة، الأمر الذي يدفع ببعض فئاتها أو أفرادها إلى محاولة الحفاظ على الذي يدفع ببعض فئاتها أو أفرادها إلى محاولة الحفاظ على مصالحها أو كسب مصالح مماثلة، عن طريق التلون السياسي و مسايرة الطرف الأقوى في الصراع... كما أن أوضع الطبقة الكادحة تكون في حالة صعود ثم تنتقل بشكل فجائي إلى حالة أحسن على المستويات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، فتبرز الانتهازية في بعض فئاتها أو أفرادها، بدافع من العوامل السالفة الذكر. و مما يساعد هذا النوع من الانتهازية على الظهور، تأجج تناقضات ثانوية في صف التقدمي نفسه و التي غالبا ما يكون موضوعها مستمدا من تنافس الأفراد أو المجمعات على السلطة. قد يكون هذا النوع من الانتهازية متمثلا بأفراد مندسين أو محيطين بالحركة الثورية، يهدفون إلى تحقيق مصالح الشخصية، مادية و معنوية، عن طريق تأييد تلك الحركة التملق لها... و لكن هذه الانتهازية أقل خطرا من الانتهازية الواسعة المطامح التي تسعى للاستيلاء على الحكم و التي تطرح نفسها للحكم الثوري، محاولة استغلال أخطائه و تناقضاته الثانوية، مشكلة بذلك قوة أساسية من قوى الثورة المضادة.
إن هذا النوع من الانتهازية- و هو أخطر أنواعها- الذي يصاحب ظهور الأوضاع الثورية عادة، ينشأ في شكل مجسد في فرد (أو مجموعة) ذا طموح شخصي قوى للوصول إلى الحكم، مقرونا بصفات شخصية معينة و ببعض الكفاءات. إن هذا الفرد (أو المجموعة) يكون عادة واسع الطموح و ذا رغبة شخصية غير محدودة في نفوذ السيطرة والجاه المادي و المعنوي ... كما أنه يعمل (أو يعملون) على تحقيق أغراضه هذه بنفس طويل، و ليس بشكل قصير المدى، كما يفعل الموظف الانتهازي.
و قد يتحرك و يعمل الانتهازيون كأفراد في شكل زعامات منفردة، لكنهم، في مرحلة الانتقال الثوري، يصبحون في أمس الحاجة إلى تكوين تكتل انتهازي حولهم، استعدادا للسطو على السلطة عندما تتاح الفرصة المناسبة. كما أن التكتيل الانتهازي الذي يتهيأ لاستسلام الحكم، يجد نفسه مضطرا لاستخدام المذاهب و النظريات. لذلك نجد في الغالب يحاول أن يقدم "طرحا جديدا" بديلا، يجعله عادة غاية في الغموض و الديماغوجية، من أجل أن يكون قابلا لشتى التفاسير المختلفة... و بالتالي قابلا للتغيير و التلون، الشيء الذي يسمح بتبرير حرية التصرف في تغيير المواقع حسب ما تطلبه المصلحة.
و يتسم التكتل الانتهازي عادة "بالواقعية الانتهازية" في علاقته السياسية و اختياراته الفكرية، أخذا بعين الاعتبار مواقف و مواقع القوى الأساسية المتصارعة و ميزان القوى فيما بينها. فهو قادر على تبني الطرح اللبرالي، و قد يتبنى لفظيا الاشتراكية العلمية، كما قد يرفع الشعارات متطرفة و أفكارا سابقة للعصر بمراحل... و هو يؤيد بسرعة، و يسحب تأييده بسرعة كذلك، و إذا أيد ذهب أبعد من المطلوب، و قد يتراجع عن ذلك ليؤيد نقيضه المطلق.
و من صفات الزعامات و التكتلات الانتهازية في مرحلة الانتقال الثوري، المرونة المتناهية، و القدرة الفائقة "لإيجاد صيغة" ملائمة لكل مسألة مسألة، و التكيف مع الظروف واستبدال التحالفات و العلاقات بالسرعة المطلوبة. كما أنها تسعى إلى استعمال نفس الأساليب التي تعمل الحركة الثورية على أساسها. فتحاول إيجاد تنظيم لها (و لو بصورة شكلية)، و تستعمل الكتابة و أساليب الدعاية السياسية و الاتصال بالأوساط الشعبية لمحاولة التعرف على رغبات الشعب، و صنع الشعارات التي تستهويه بهدف استغلال ذلك في الكسب السياسي. و لعل من أبرز مواهب الانتهازية الحديثة هذه، هو فن "اللعبة السياسية"، و ذلك أقوى ما لديها من أسلحة.
إن المهارة في "اللعبة السياسية"، و كل ما يترتب عنها من تلون ذكي، و قدرة على المناورة والخداع، واستهواء الناس، و كسب المؤيدين، و تعداد "الاتصالات" و تنويعها و ما إلى ذلك، هي عدة الزعامات و التكتلات الانتهازية، و زادها الذي يعيش به. و بحكم بعض النجاحات الجزئية أو الصفقات التي تحققها مؤقتا هذه الأساليب، تنساق التكتلات و الزعامات الانتهازية إلى مستوى الغرور، و تتوهم أن البراعة في المناورة كافية لوحدها للوصول إلى الحكم، و "تخدير" كل الأعداء و الخصوم... و في مثل هذه الحالة نراها- و بدافع من اليأس الاستماتة في محاولة الإحلال محل الثورة في نفس الوقت – تفسح المجال لغرائزها و ميولاتها الأنانية الذاتية و تصرفاتها الشاذة، إلى درجة قد تؤدي بأصحابها إلى الابتعاد عن العقل...
و من خصائص هذا النوع من الانتهازية كذلك : "الماكيافيلية"، أي الاستعداد للتعاون مع أي قوة كانت، و عقد التحالفات مع أية جهة مهما كان نوعها، و بدون تردد، إذا ما اقتضت اللعبة السياسية – أي مصلحتها – ذلك. و من ثم نجد الزعامات و التكتلات الانتهازية مستعدة بدون تورع للتفاهم مع قوى الاستعمار الجديد و الامبريالية، و عقد التحالفات، بدرجات متباينة مع القوى الرجعية و الثورة المضادة... إلا أنها لا تقوم بكل هذا بشكل مكشوف أو بالأساليب البدائية كما يفعل العملاء الواضحان، بل بالأساليب غير المباشرة و بشتى التغطيات و الصيغ، فتفاهمها مع الإمبريالية لا يأخذ عادة الشكل المباشر و الصحيح. بل غالبا ما يكون ضمنيا و مفهوما من الجانبين دون حاجة إلى تصريح واضح، و قد يحجبه دخان كثيف من الشعارات المعادية للاستعمار و الإمبريالية و الرجعية، في محاولة لإبراز الذات كبديل مقنع يحل محل القوى الرجعية العتيقة و القوى الثورية في آن واحد، و كحارس أمين للمصالح الإمبريالية على المدى البعيد، و ضمانة حقيقية لحفظها و استمراريتها... و من أجل ذلك، نراها تحافظ لنفسها على موقع "التعالي"، (موقع"فوق الجميع") الذي يجنبها دخول الصراع في مرحلة الانتقال الثوري كأحد أطرافه، للحفاظ على كافة أوراقها و طاقاتها حتى تتسنى لها فرصة السطو على السلطة...
إن هذا النوع من الانتهازية لا تختلف في العمق و المقصد و الدوافع عن الانتهازية الفجة البدائية التي سبق ذكرها، بل تختلف عنها فقط بتطور الأساليب و حداثتها و بسعة غرورها و طموحاتها التي تطال الاستيلاء على الحكم. و من ثم فإن الزعامات و التكتلات الانتهازية في مرحلة المخاض و الانتقال الثوري، هي بدون جدال أخطر نوع من أنواع الانتهازية و أكثرها تهديدا لمصالح الثورة، و هي بالتالي جزء لا يتجزأ من قوى الثورة المضادة.
الموقف الثوري من الانتهازية
لا يمكن الحديث هنا عن موقف ثوري واحد جامد من ظاهرة الانتهازية، بل أن هذا الموقف يخضع أولا للظروف الذاتية للحركة الثورية في علاقاتها بالظروف الموضوعية العامة، كما يتأثر بنوعية و شكل الانتهازية المطروحة معالجتها. فالانتهازية غير المتكتلة مثلا، المتمثلة في الأفراد الطامعين بمصلحة شخصية يجب أن تعامل بصورة مختلفة عن الانتهازية المتكتلة الطامعة في الحكم،و التي تطرح نفسها كبديل للثورة... كما أن الانتهازية المندسة في صفوف تنظيمات الجماهير الكادحة، تتطلب موقفا متميزا عن الموقفين السابقين... و للتبسيط، يمكن أن نصنف الموقف الثوري من الانتهازية إلى ثلاث مستويات :
أولا : إن الانتهازية غير المتكتلة المحدودة المطامح التي تظهر عند بعض الأفراد الذين يسايرون الحركة الثورية في طور النضال المعارض، أو يلتقون حول السلطة الثورية و يمنحونها التأييد طمعا في الوظائف و الترقي و المكاسب الشخصية، أن هؤلاء لا يشكلون في الحقيقة خطرا كبيرا، وانتهازيتهم هذه محكوم عليها بالزوال مع تصلب عود الحركة الثورية، و تقوية تنظيماتها و ضبط خطاها بشكل سديد. فهذا النوع من الانتهازية يمكن أن نشبهه بالطفيليات التي تحاول امتصاص بعض غذاء النبات، لكنها لا تستطيع و لا تطمح لقتله، كما أنها تزول بترعرع هذا النبات و تحسن الظروف المحيطة به...
ثانيا : الانتهازية في صفوف الحركة الثورية و التنظيمات الجماهير الشعبية: إن هذا النوع من الانتهازية يكون عادة كامنا، لا يكشفه إلا تغير فجائي في ظروف المحيطة بالفرد. و لذلك، فإن طريق كشفها ـأتي عادة بشكل طبيعي. و لا تحتج لجهد خاص أو خطة. فسواء عندما تتعرض الحركة الثورية في كفاحها الطويل لمحنة خاصة، أو عندما تقبل على النصر و الفوز الحاسم...في كلا الحالتين تتاح الفرصة بشكل كامل لكشف العناصر التي تملك بذور الانتهاز... و ما على الحركة الثورية في هذه الحالة إلا الحسم معه بشكل صارم و عاجل، و بدون أدنى تردد. أما إذا تغاضت الحركة الثورية بشكل مفرط عن الحسم، فإنها بذلك تكون قد أعلنت موافقتها الضمنية على الانتهازية، و تكون قد زكتها و شجعتها... و عليها بالتالي أن تنتظر تزايد هذه الظاهرة حتى تصبح بمثابة القاعدة العامة. و لسنا بحاجة إلى توضيح العواقب المدمرة و الأثر التخريبية البالغة التي يخلقها بروز الانتهازية عند فرض أو مجموعة أفراد من قيادة الحركة الثورية، إذ من البديهي أن الأثر السيء لذلك يكون دائما أعمق وأقوى.
و إذا كانت الحركة الثورية مطالبة بالحسم العاجل و الصارم مع الانتهازية التي قد تظهر في صفوفها- و ما ذلك في النهاية إلا انعكاس غير مباشر لطبيعة الهياكل الرجعية المطروح تغييرها- فإنها مطالبة أيضا بحماية أعضائها من هذه الظاهرة، و تطويق آثار المغريات التي تساعد على ظهورها، أو التغيرات المفاجئة في حالة الأفراد.
و بذلك تصبح القاعدة العامة هي : حماية الأعضاء من المغريات المعنوية و المادية و عدم اثارة ميول النفعية و الأنانية، و الحسم الصارم مع الانتهازية حال بروزها.
ثالثا : الانتهازية المتكتلة ذات المطامع السياسية،الطامحة إلى السطو على الحكم و قطع الطريق على الثورة الشعبية، هي الخطر الأكبر المطروح مجابهاته و القضاء عليه,
إن التحليل العلمي الموضوعي و الواقعي، يجعلنا نستنتج أن هذه المجابهة يجب أن تتم بدون حاجة لانتظار التغييرات الفجائية للتأكد من نوايا هذا النوع الخطير من الانتهازية، بل المطلوب هو التصدي لمهمة المجابهة في طور الكفاح المعارض، كما في ظروف الانتقال الثوري. و كلما تم خوض المجابهة الناجحة بشكل مبكر، كلما تم ربح مراحل في التغيير و التشديد المجتمع الجديد. و إذا نشدد على ضرورة المجابهة المبكرة ، فلان للانتهازية خطتها أيضا، و هذه الخطة غالبا ما تكون مبنية على ربح الوقت، و هو أمر طبيعي لديها... و إذا كان التكتل الانتهازي يتميز خلال مرحلة الكفاح المعارض بالتقلب ما بين مواقف التطرف و المزايدة على الحركة الثورية تارة، و الهدنة والذيلية و التبعية للحكم القائم تارة أخرى، فإنها في مرحلة الانتقال الثوري غالبا ما تترفع و تسحب نفسها من الصراع المحتدم بين قوى الرجعية و قوى التقدم، لأنها تعرف أن القضاء على القوى الرجعية القديمة أصبح أمرا حتميا... لكنها تدرك أيضا أن ذلك ينهك قوى الثورة و يستنزف جزءا كبيرا من طاقاتها. أي أنها تسعى إلى ربح الوقت و حفظ كل قواها حتى اللحظة المناسبة التي توشك فيها قوى القديم على الانتهاء، و تضعف معه قوى الثورة – خاصة إذا برزت في صفوفها خلافات ثانوية – لتطرح نفسها هي كبديل "فوق الجميع" و "منقذ للبلاد و شعبها"...
في مثل هذه الأوضاع يكون الخطر الأول ليس هو الرجعية التي أنهاها الصراع و الكفاح الثوري، أو أوشك على ذلك، و لكن التكتل الانتهازي و الزعامات المتسلطة، التي تكون في حالة "استراحة" طيلة فترة الصراع، و تكون قد استجمعت قواها و رصت صفوفها و رصدت أخطاء الثورة... و من ثم نعود و نؤكد على أن مجابهة و مصارعة الزعامات و التكتلات الانتهازية الطامحة للسلطة، يجب أن تتم بشكل مبكر مع اختيار أنجع الأساليب و أحسن الظروف لذلك... و إلا فات الأوان.
و في جميع الحالات، و مهما تفاوتت المستويات الثلاث في الموقف الثوري من الانتهازية التي ذكرناها، و كيفما تأخر أو سبق زمن ممارسته، يبقى أن مهمة التصفية الفكرية للانتهازية مهمة قائمة في كل وقت و حين و في جميع الظروف، و هي الأهم في نهاية المطاف.
و بالمقابل، فإن الانتهازية، و خاصة النوع السياسي الحديث منها، تقوم باستمرار بتخريب فكري و ثقافي لا تجوز الاستهانة به. فهي لا تكف عن تركيب "النظريات" بشكل مصطنع و إشاعة الأفكار المضللة و بث الأراء المعرقلة، الشيء الذي يتطلب من الحركة الثورية نضالا فكريا و ثقافيا متواصلا، بحيث تتمكن من مصاحبة الحسم السياسي مع الانتهازية بالتصفية الفكرية لها، من أجل حماية الجماهير من الأفكار و المواقف الانتهازية بالتصفية الفكرية لها، من أجل حماية الجماهير من الأفكار و المواقف الانتهازية و الحيلولة دون "تلوث" الرأي العام بها. و من بين الوسائل التي تعتمدها الحركة الثورية في مثل هذا النضال : كتابة التاريخ السياسي للانتهازية بشكل مفصل و تعميمه على الرأي العام، و تعرية و تفنيد كل أد بياتها مهما كانت تافهة، و الكشف عن التاريخ السياسي الشخصي للانتهازيين، و خاصة الكبار منهم، ليحاط الشعب علما بماضيهم و نوعية أعمالهم و ارتباطاهم، و بكل ما صدر عنهم من تخريب في حق قضية الشعب...
قد لا تكون المعركة لتصفية الانتهازية سياسيا و فكريا معركة "ممتعة"، و قد لا تكون معركة بطولة... إلا أنها معركة ضرورية، تفرضها و تحتمها طبيعة الصراع و النضال من أجل الاشتراكية و العدالة الاجتماعية، رغم ما تكلفه من معاناة و تضحيات، و صراعات قد تبدو جانبية أو "هامشية" بالنسبة لمن يكتفي بالنظرة الفوقية السطحية، لكنها في عمق التحليل و نهايته : صراعات جوهرية و مصيرية.
-
عمر الفاطمي - اسم مستعار لعبد الغني بوستة السرايري
|